محمد عبد الله دراز

253

دستور الأخلاق في القرآن

ولنفترض الآن أنّ هذه الأوامر على تنوعها متوافقة ، وأنّ الواجب الّذي نفرضه نحن ، أو تفرضه سلطة إنسانية ، مطابق للقاعدة القرآنية - حينئذ سوف تتعلق حالتنا بالمجالات الثّلاثة للمسئولية : أي أننا سنكون مسئولين أخلاقيا ، واجتماعيا ، ودينيا . فهل معنى ذلك أنّ هذه الدّرجات الثّلاثة في الحكم تندمج معا ، أو تتوافق تماما ؟ . . كلا ، فكلّ نوع من المسؤولية سوف يحتفظ دائما بصفاته وشروطه الخاصة . ولن يكون تمايزها فقط من حيث إنّ المسؤولية الأخلاقية تمارس على الفور ، وبطريقة ثابتة ، على حين أنّ المسؤولية الاجتماعية لا تقوم بوظيفتها إلّا خلال آجال تتفاوت طولا ، وقصرا ، والمسؤولية الدّينية لا تظهر واضحة إلّا يوم الدّين ، كذلك لن يكون هذا التمايز فقط من حيث إنّ الجزاء الأخلاقي يتم بخاصة داخلنا ، والجزاء الاجتماعي يلمس مباشرة أجسامنا ، وأموالنا ، وحقوقنا المدنية ، وهو لا يؤثر في شخصنا إلّا بواسطة هذه الأحداث الخارجية ، على حين أنّ الجزاء الإلهي يلمس النّفس ، والجسم معا ، بعقوبة رهيبة ، أو بجزاء حسن في حياة خالدة . . ليس هذا كلّه فحسب ، ولكن ما هو أكثر من ذلك ، أنّ الشّروط الّتي تستقر فيها من - ناحية - مسؤوليتنا الأخلاقية والدّينية ، ومن ناحية أخرى - مسؤوليتنا الاجتماعية ، ليس لها نفس الامتداد في التّشريع الإسلامي . ونبدأ ببحث شروط المسؤولية الأخلاقية ، والدّينية الّتي استفاضت بها نصوص القرآن ، بيد أننا ينبغي أن نؤكد أوّلا على طابع الشّمول في مبدأ المسؤولية ، الّذي بسطه الكتاب على جميع المخلوقات العاقلة ، دون تفرقة بين عقل إنساني ، وعقل فوق - إنساني ، بل دون أدنى تفرقة بين عامة النّاس ،